قد يبدو لاول وهلة ان هناك تعارضا بين المقولتين ، لكنني اراه تعارض ظاهري من السهل ازالته، ومن السهل -بالتالي -التوفيق بين المقولتين …ويظهر هذا جليا بمجرد قراءة قصة هذين المثلين …فلنبدأ بسماع قصة المقولتين قبل الشروع في الموضوع…

روي ان احد ملوك حِمْيَر،كان طاغية – كطغاة زماننا هذا- في حكم أهل مملكته يغصبهم أموالهم ويسلبهم ما في أيديهم،وكانت امرأته- العاقلة- على قلة العاقلات من بني جنسها- قد سمعت أصوات السُّؤَّال-أي طالبي المساعدة والمعونة -الواقفين كالمتسولين على باب القصر- فقالت:

إني لأرحم هؤلاء لما يلقون من الجَهد… ونحن في العيش الرغد، إني لأخاف عليك أن يصيروا سباعًا، وقد كانوا لنا أتباعًا………….

ويمكننا ان نرى الصورة المعاصرة لهؤلاء على الطبيعة من خلال الخبر الذي نشر عن مكرمات الوليد بن طلال الذي اراد ان يزكي من خلال برنامج وثائقي خاص ففضح نظامه الذي يعامل شعبه على انهم كلاب جائعة., فالوليد بن طلال حاول- من خلال البرنامج المذكور أن يستعرض كرمه ومآثره- أمام الفرنسيين والهولنديين -فكشف الواقع الحقيقي والمُخجل للمُجتمع المُسعدن، وعرّى الحالة المُزرية لأبناء الشعب، ونقل صورة كئيبة لأعداد هائلة من الفقراء والمعوزين الذين أظهرتهم الكاميرا الفرنسية والكاميرا الهولندية، وهُم بالآلاف المؤلفة حيث يُقعون على أبواب المخيم كالكلاب،من أجل عظمة او بعض فتات.على شكل بضعة ريالات ) ونعود لسرد القصة…..

فردّ الملك على زوجته قائلا-بمنتهى الصلف والعنجهية والغرور– انهم شعبي وانا اعرف بهم من غيري،وانا لست كغيري من الحكام،ولهذا فلن يثور شعبي علي.

ثم قال :بثقة كبيرة جَوِّعْ كَلْبَكَ يَتْبَعْك!! وأرسلها مثلاً………..ودفع ثمن ذلك غاليا، كما سنرى في نهاية القصة!!

يقول الراوي ….ولبث بذلك زمانًا ،ثم أغزاهم فغنموا، ولم يقسم فيهم شيئًا،فلما خرجوا من عنده -وكانوا قد اضر بهم الجوع، وبلغ بهم الجَهد مداه، وبلغ السيل الزبي ونالهم ماحسبهم به وكفى …اي باحتصار شديد: آن لقانون الضغط ان يولد الانفجار…

فقالوا لأخيه وهو أميرهم: انك ترى ما نحن فيه من الجَهد،ونحن نكره خروج المُلْكِ منكم -أهل البيت- إلى غيركم،فساعِدْنا على قتْلِ أخيك واجلس مكانه. وكان الاخ يعرف مدى ظلم اخيه،فأجابهم إلى ذلك،فوثبواعليه فقتلوه……وعلى الباغي تدور الدوائر قانون لا يتخلف الى يوم الدين !!!

فمرَّ به عامر بن جذيمة وهو مقتول …وكان سمع بقوله: “جَوِّعْ كَلْبَكَ يَتْبَعْك” فقال:ربما أكل الكلب مؤدبه إذا لم ينل شِبَعَه،”جَوِّعْ كَلْبَكَ يَأْكُلْك”..فأرسلها مثلاً.

اما ان كثيرا من الناس يشبهون الكلاب من حيث طباعهم- من بصبصة تبدو في هزة ذيل او ذنب،فامر صحيح، لان الانسان الذي رضي ان يهبط عن مستوى الانسانية الى مستوى الكلاب- التي لاهم لها الا اشباع بطونها وفروجها …ومتابعة كرة القدم والمسلسلات الفنية الهابطة واخبار مهند ولميس وهيفا ونانسي وصاحبة عتريس…الخ – اقول ان تشبيه هؤلاء الناس بالكلاب امر لا باس به،ولا حرج منه،لان من تشبه يقوم فهو مثلهم- بل منهم حسب ماورد في الحدبث النبوي -ولهذا لاغضاضة في تشبيه المشبه بالمشبه به حين يشابهه .

يقول ابن القيم الجوزية رحمه الله في مدارج السالكين ان طبائع البشر الجهال الذين لا فرق بينهم وبين سائر الحيوان إلا في اعتدال القامة ونطق اللسان،وليس همهم إلا مجرد نيل الشهوة بأي طريق أفضت إليها، فهؤلاء نفوسهم نفوس حيوانية لم تترق عنها إلى درجة الإنسانية، وحالهم أخس من أن تذكر،وهم في أحوالهم متفاوتون بحسب تفاوت الحيوانات التي هم على أخلاقها وطباعها….فمنهم: من نفسه كلبية لو صادف جيفة تشبع ألف كلب، لوقع عليها وحماها من سائر الكلاب،ونبح كل كلب يدنو منها فلا تقربها الكلاب إلا على كره منه وغلبة،ولا يسمح لكلب بشيء منها،وهمه شبع بطنه من أي طعام اتفق.انتهى كلام ابن القيم . وامثال هؤلاء البشر كثيرون- ليس في زمان الملك صاحب المثل المذكوروحسب، بل -في كل زمان ومكان، وحتى في زماننا ومكاننا لسوء الحظ وذلك منذ ان دخل الكثيرون جحر الضب الذي نهانا رسول الله عن دخوله قبل اكثر من 1400عام واقصد بالكلام اعلاه سكوتنا- بل رضانا – عن الاحتكام للمذهب النفعي العلماني الراسمالي الذي يجعل الغاية من الحياة اقتناص الملذات والشهوات، بزعم اننا لن نعيش عمرين،وان هذه الحياة الدنيا هي نهاية المطاف، فلاشيء قبلها ولا شئ بعدها..ولهذا كثر الناس الكلبيون في ديار الاسلام منذ ان سقط حكم الاسلام على يد اشهر كلب محسوب على الاسلام- والاسلام منه بريء- واقصد به اتاتورك -جد اردوغان صديق هنية، ومعبود الجماهير الغبية،حاملة الصفات الكلبية من المحسوبين على امة الاسلام .

وهؤلاء الكلبيون من الناس تراهم في كل مكان وسيماهم على ظهورهم من اثر الطاطاة والانحناء لكل طاغية وكل غاز، ولسان حالهم من تزوج امنا – ولو بالباطل – فهو عمنا ،وشعارهم ارقص للقرد بدولته ..و”قبّل الكلب على فمه حتى تنال حاجتك منه”..وتراهم دائمي الطواف حول كعبات اصحاب القوة والمال والسلطان، يبصبصون لهم بذيولهم ويمسحون جوخهم،ويزينون لهم أفعالهم، صوابا كانت أم خطأ، لا يكترثون الا بمنفعتهم،وكل همهم اشباع معداتهم وجوعاتهم وغرائزهم، ولا يبالون في سبيل ذلك بانتهاج أي سبيل ولا يبالون اكان حلالا ذلك ام حراما.

ولسان حالهم هو اذا غاب الشرطي فكل شئ مباح. ..ولان هذا هو حال الاكثرية في زماننا هذا، فقد ظن الحكام الطغاة ان بامكانهم الاستمرار في اضطهاد الشعوب الى يوم الدين ..فراهنوا على مقولة”جوع كلبك يتبعك” اي يسير وراءك لاهثا صاغرا خانعا ذليلا…وتجاهلوا المقولة الثانية التي تقول جوّع كلبك يأكلك …تجاهلوها لانهم استخف كل منهم قومه فاطاعوه، وتظاهروا بتصديق ادعاءه الالوهيه عندما قال :” اليس لي ملك مصر وهذه الانهار تجري من تحتي”…فاصابه الغرور – والطغاة كالغواني – يغرهم الثناء ..فكيف بالاطراء..وهم يسمعون هتاف الغوغاء بالروح بالدم نفديك يا……. وظن كل طاغية من الطغاة انه شخص نسيج وحده،وان “مثله لم تر قط عين وأجمل منه لم تلد النســـاء”،وان مثل شعبه لا شعب في الانصياع والاستخذاء والغباء..وتجاهلوا دروس التاريخ ومواعظه وظنوا انها لانفع فيها الا لتسلية المغفلين والجهلاء!!

آمن الطغاة بمقولة جوع كلبك يتبعك..ولم يصدقوامقولة .. ياكلك ..فجوّعوا بطون ومعدات وامعاء اشباه الكلاب..وحرموها من الشراب والطعام …وجوعوا نفوس السباع للكرامة الاباء …فدفع الطغاة الثمن غاليا عندما ثارت الكلاب- لشدة جوع البطون، وثارت السباع لشدة جوع النفوس، وكان ما كان …واصبح زين وحسني ومعمر في خبر كان،ولم يتعظ بشار- ولا باقي الطغاة- لاسباب ذكرناها ولاسباب اخرى- قد يكون منها -ان الله طمس على قلوبهم واعمى بصائرهم، واستجيبت فيهم دعوة الصالحين الذين دعوا بدعوة موسى عليه السلام حين دعا”” ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا، ربنا ليضلوا عن سبيلك، ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم”88 .

أفما آن لباقي الطغاة الذئاب،ان يحذوروا غضبة السباع والكلاب-الذين لم يعد لديهم ما يخسرونه سوى الجوعين،جوع الكلاب للطعام ،وجوع السباع للاكرام؟!

فقد آن الاوان للضغط ان يولد الانفجار…ولن تستطيع قوة مهما بلغت ان تمنع الانفجار لانها سنة الله “ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا”