مهما كان رأي القراء أو انطباعهم عن سلوكيات أصحاب القصص التي سنرويها فإنها في كل الأحوال تمثل في جوهرها خروجاً عن القانون وأوقعت أصحابها تحت المسؤولية القانونية وقد تكلفهم ما يصل إلى عشر سنوات من حياتهم يقضونها في السجن ثمناً لشهادتهم بما لايعلموا حقيقته.

في القصة الأولى وقف شابان أمام محكمة الجنايات بتهمة المشاركة بتزوير محرر رسمي، حيث وقعا كشاهدين على وثيقة رسمية تثبت أن إحدى السيدات مطلقة ولم تتزوج بعد طلاقها مما يضعها على غير الحقيقة ضمن الفئة المستحقة للاعانة المالية من وزارة الشؤون الاجتماعية، ولم يكن الشابان عند توقيعهما على شهادة حالة السيدة الاجتماعية يعرفان حتى اسمها فكيف يمكن أن يكون لهما علم بحالتها الاجتماعية.

هذا ما أكداه لهيئة المحكمة، موضحين بأنهما قدما شهادتهما أمام كاتب العدل حياء من والدتها العجوز التي صادفاها في المقر الرئيسي لدائرة القضاء بأبو ظبي عند ذهابهما لاستخراج بعض المستندات، وطلبت منهما أن يشهدا أمام كاتب العدل أن ابنتها مطلقة وأنها لم تتزوج بعد طلاقها، وكانت ملحة في طلبها وقد وضعته في قالب جميل من الدعوات الطيبة، وما كان يمكن لهما رفض رجائها أدباً واحتراماً لسنها.

ورغم أن حجة الشابين قد تبدو منطقية للكثيرين منّا، بل أن معظمنا يعلم في قرارة نفسه أنه كان لابد سيلبي رغبة تلك السيدة لو وضع في مكان أي من هذين الشابين، ولكن ماذا لو كانت النتيجة أن مال الدولة الذي خصص بهدف تأمين الحياة الكريمة للنساء المطلقات قد ذهب إلى من لا تستحقه.

وماذا لو علم الشابان أن ما قاما به هو عند الله شهادة زور، وأنهما أصبحا أمام القانون مذنبين بحق المجتمع ويستحقان العقوبة وفق القانون، فهل لا يزال هذا السلوك شهامة وأدباً؟!قضية أخرى مشابهة، وهي أيضاً تتعلق بشهادة تثبت أن إحدى السيدات لم تتزوج بعد طلاقها، ولكن المتهم قال إن صديقه اتصل به وطلب منه الذهاب معه للمحكمة للشهادة بأن أخته مطلقة ولم تتزوج بعد طلاقها، ورغم أنه لا يعرف شيئاً عن شقيقة صديقه ولا حتى اسمها.

وهو حتى لم يعرف يوماً عدد شقيقات صديقه وإن كن متزوجات أم لا، ولكنهم أصدقاء ولا يعقل أن يرفض له طلباً بهذه البساطة، وبالتالي وقع كشاهد على هذه الورقة، ولم يعرف، كما ادعى أمام المحكمة، أن شهادته غير صحيحة إلا عندما طلبته النيابة للتحقيق معه كمتهم بالمشاركة بتزوير محرر رسمي، وليجد نفسه معرضاً للسجن ظلماً، فهو- وفق اعتقاده -كان فقط يجامل صديقه ويقدم له خدمة، دون أن يفكر ولو للحظة أن هذا الصديق قد أوقعه تحت طائلة المسؤولية القانونية، وأن هذه المجاملة قد تكلفه مستقبله.

أما في الحالة الثالثة، فلم يتمالك القاضي نفسه عن الابتسامة عندما راح المتهم يقول إن شهادته بأن المتهمة الثانية لا تعمل، كانت بدافع الشهامة فقط، ولكن الناظر إلى الفتاة يستطيع أن يعرف أنه من الصعب على شاب في سن المتهم أن يرفض طلب الشهادة مع فتاة بمثل جمالها، وخاصة أنه لا يعرف إن هذه الشهادة ستودي به إلى السجن لأنها شهادة زور أعطت تلك الفتاة الحق في الحصول على مساعدة من إحدى الهيئات الخيرية بينما هناك من هم أحق بها.