ا تكاد تخلو سوق شعبية في تونس من ركن خاص ببيع الخبز، ولكن ليس طعاما للبشر، بل علف للماشية كالأغنام والأبقار والماعز، وكذلك الحيوانات الأخرى كالكلاب والقطط وغيرها.

هذه الظاهرة غدت سمة ملازمة للأسواق الشعبية، وأماكن بيع العلف الحيواني في المدن. ورضا العلوي (48 سنة)، وهو أحد تجار الخبز المستخدم علفا للحيوانات، يمارس هذه التجارة منذ عدة سنوات كحلّ للخروج من البطالة، كما قال في لقاء أجرته معه «الشرق الأوسط»، وهو كما أخبرنا يذهب إلى تونس العاصمة لجمع الخبز من الأحياء السكنية ثم يبيعه في الأسواق الشعبية، ولا يعود لجمع الخبز ثانية إلا بعد أن يكمل بيع كل ما لديه.

يستأجر رضا شخصا آخر يقوم بمساعدته في جمع الخبز من الأحياء السكنية في العاصمة والمدن الكبرى مثل سوسة والمنستير وصفاقس، «بالطبع أحتاج إلى مساعد ليس من أجل جمع الخبز فحسب، بل لأن الطريق طويل ويزيد ذهابا وإيابا عن 340 كيلومترا».

رضا استطاع أن يجمع من تجارة الخبز مبلغ 12 ألف دينار، وهو المبلغ المطلوب لدفعه من أجل الحصول من وكالة بيع السيارات على شاحنة جديدة بقيمة 52 ألف دينار، من ماركة يرغب فيها كثيرون من التونسيين لقوتها وسرعتها وثباتها على الطرق، حتى أصبحت من مظاهر الوجاهة عند البعض، وهنا قال لنا معلقا: «لقد اشتريت هذه الشاحنة قبل سنة من تجارة الخبز… وأقوم شهريا بدفع مبلغ 300 دينار لسداد المبلغ المتبقي بذمتي».

ويبيع رضا كيس الخبز الصغير، الذي يتراوح وزنه ما بين 5 و7 كلغ بـ3500 ميليم، أما الكيس الكبير الذي يصل وزنه إلى نحو 30 كلغ فيبيعه بـ12 دينارا، شارحا: «أبدأ العمل منذ الساعة الرابعة صباحا، فأتوجه إلى العاصمة لجمع الخبز.. مع الإشارة إلى أن مصاريفي كبيرة، فبجانب ديون الوكالة التي اشتريت منها الشاحنة، علي دفع ثمن البنزين، وأجرة عامل يساعدني في عملي، ثم إن لدي أسرة أعيلها، ولذلك لا أرى المبلغ الذي أطلبه مرتفعا».

وبجانب رضا كان هناك تجار آخرون لم يعجبهم وجودنا في المكان، حتى إنهم امتنعوا عن التقاط صور لهم، فتظاهرنا بأن الفضول وليس العمل الصحافي هو ما دفعنا لاستكشاف ساحة بيع الخبز كعلف حيواني.

أحد هؤلاء اسمه خلف الله، تاجر منافس لرضا العلوي، وهو يستخدم شاحنة من ماركة أخرى أقل موثوقية من شاحنة رضا، قال لنا: «سكان الأحياء الراقية في العاصمة والشريط الساحلي هم مصدر الخبز الذي أبيعه… هناك لا نقص في الكماليات فضلا عن الضروريات، وهم يسهرون في فنادق 5 نجوم وفي الصباح يتحدثون عن الزوالي (الفقير)». وتابع حديثه قائلا: «نعثر على الخبز بقطع مختلفة… أحيانا يكون أنصافا وأحيانا أخرى يكون رغيف الخبر كاملا لم يقتطع منه ولو جزء واحد ولو كان صغير الحجم».

من ناحية أخرى، فإن حالة الفلاحين الآتين من الأرياف رثة للغاية، ولو صادف المرء أحدهم في الشارع لظنه من المتسولين. يفتح بعضهم صرة صغيرة فيها بعض القطع النقدية كما لو كان يفتح صدره بسكين، يشتد اصفرار وجهه، وبعضهم تتحرك شفتاه بشكل ملحوظ وهو يدفع 12 دينارا ثمن كيس الخبز.

ولقد شاهدت «الشرق الأوسط» أحدهم وهو يقترض دينارين من سائق الشاحنة التي اكتراها لنقل الخبز إلى ضيعته. وهناك شخص آخر اشترى كيسا صغيرا من الخبز، وعندما سألناه عن سبب شرائه الخبز أجاب: «لدي كلب حراسة أشتري له الخبز كل أسبوع». وعندما سألناه عن سبب إحجام الناس إطعام حيواناتهم من فضلات الطعام المتبقية في بيوتهم، رد باستياء ظاهر: «نحن سكان المناطق الداخلية لم يكن ينظر إلينا على أننا مواطنون، وكانت تونس عبارة عن العاصمة والشريط الساحلي فقط… نحن الفقراء بالكاد كنا نستطيع تأمين الأكل لأطفالنا، فكيف نعطي من طعامنا لحيواناتنا؟».

على صعيد آخر، فإن مسؤولي الإدارات الزراعية الذين اتصلنا بهم، أفادونا بأن الخبز «غذاء متوسط الفائدة (للحيوانات)، فهو دون الشعير لكنه أفضل من السداري أو النخالة (وهي قشور الحبوب)». وثمة أمر آخر أشار إليه المسؤول الذي تكلمنا معه، وطلب منا تحاشي الإشارة إلى اسمه، هو أن «الخبز يكون طبقة من الشحم حول جسم الخروف، ولذلك يخشى المستهلكون من الخرفان التي تتغذى على الخبز فقط، ولأجل ذلك لا بد من خلط الخبز مع علف آخر».