الكراهية من اقوى المشاعر السلبية التي لها اثر مشابه للسموم التي تسبب اعتلال الروح. وتعرف بشعور الشخص بعدم الحب والعداوة والرغبة في الانتقام تجاه شخص آخر او اخرين. وغالبا ما يكون سبب الكراهية هو عدم القدرة على المغفرة او الرغبة فيها. لكن هل يمكن ان نتخلص من الكراهية وان نغفر ونسامح، ام ان من الاسهل ان نستمر في مشاعر الكراهية؟
 
يبدأ البشر في مقاومة سلوك التسامح والغفران مع تطور حياتهم. وقد يكون الامر نابعا عن الغريزة التي تدفعنا لحماية انفسنا من أذى الاخرين، بما في ذلك الاذى النفسي. وليس من المستغرب أن يشعر البعض بأن حمل الضغينة وعدم التسامح هو التصرف الافضل في بعض المواقف، فقد يشعرك عدم مسامحة من اخطأ في حقك، بالأمان من أي اذى مستقبلي وبالسيطرة والقوة.
 
والكثير منا لا يمكنهم التغلب على هذا الشعور، ويستمرون في ايواء مشاعر الغضب والكراهية والمشاعر السلبية تجاه كل من اساء اليهم (سواء بقصد او من دون قصد)، فيزداد لديهم مخزون المشاعر السامة. وقد يشعرون أن لديهم كنزا ساما لم يكونوا السبب في تجميعه، بل قد ارسل اليهم من قبل الاخرين، لذا فهم لا يلامون على ما وصلوا اليه من مشاعر حقد وكره. ومن الوارد ان يقول من يشعر بمشاعر الكره لنفسه «انظر ماذا فعل بي بظلمه لي، أو انها تستحق ان اكرهها فقد طلبت الطلاق». فأي امر يسبب جرح المشاعر، سيجعلك تتواجه وجها لوجه مع مشاعر الضحية والظلم. ومن يريد ان يغفر ويتسامح اذا شعر بأنه الضحية والمظلوم؟.
هل هي شيء جيد؟
شبه العديد من الخبراء مشاعر الكره والغضب بالأسيد (الحمض) الذي يسبب اضرارا نفسية وجسدية في من يحتجزها، كما تصب على كل من حوله وتبعدهم او تضرهم. فتمسكنا بمشاعر الغضب والاستياء والغيظ والمرارة، لا يؤذي من سبب لنا الألم بل يؤذينا.
وقد بينت الكثير من الدراسات أن حمل المشاعر السلبية، وخاصة الكراهية والغضب، يرافقه الكثير من الاعراض والاضرار النفسية والاجتماعية والفيزيولوجية. من أهمها: الشعور بالوحدة والاسى، البرود مع الاخرين، الخوف من الارتباط العاطفي، الاصابة بعدة امراض مثل الاكتئاب وارتفاع ضغط الدم والسكر واضطرابات المناعة واعتلالات القلب والشرايين والجهاز التنفسي والعضلي. ومفتاح التخلص من كل هذه الاضرار هو فتح قلبك للتسامح وترك حمض الكراهية يخرج من روحك.
 
الغفران ترياق
لا يمكن انكار ان هناك قوة تلازم عدم التسامح، وتشعر الشخص بالقوة والسيطرة والثقة من مكانه وموقفه الآمن من الاذى. لكن الحقيقة هي ان الغفران والتسامح يولدان قوة ذات صدى اكبر. فالمسامحة تتطلب مقدار قوة داخلية كبيرة، وليست نابعة من الايمان والدين فقط، بل من نموذج جميل ومعقد للسلام والقوة النفسية الداخلية. فهي تحررك من خلال ايقاف بحثك عن العدالة والسماح لك بنسيان الماضي، والمضي قدما بفتح صفحة بيضاء وتعلم درس مما مررت خلاله من تجربة..
فالتسامح يوصلك الى حالة السلام بينك وبين الاخرين، ويسمح بدخول السلام الى نفسك ايضا.
تسامح كل ليلة
ينصح الكثيرون، ممن يشاد بهم بالحكمة والمعرفة على مر التاريخ، بأفضلية عدم النوم ليلا قبل ان تتسامح مع كل من اساء اليك او سبب تولد مشاعر سلبية في نفسك (سواء بقصد او من دون قصد). فمن الجيد ان تنام من دون حمل ثقل الكراهية والغضب، وتبدأ يوما جديدا بمشاعر ايجابية. فهذا التدريب النفسي يولد لديك مشاعر القوة والاستقرار النفسي والسلام.
لا بد من ادراك ان التسامح لا يخص الاخرين فقط، بل هو امر مهم ومفيد لنفسك. وسواء كنت تتصارع مع تبعات تجربة طلاق او مشاجرة مع زميل او جرح مشاعر، فالتسامح يحررك انت من السم. وتذكر بأن لديك حياة لتعيشها ولا تريد ان تسممها، بل ان تنقيها وتعيشها بسلام.
الفرق بينها وبين الحب.. شعرة
اثبت العلم الحديث حقيقة المقولة بأن «الفرق بين الحب والكراهية.. شعرة». فبحسب ما توصل اليه فريق بحث من جامعة لندن كوليدج البريطانية، فإن المراكز الدماغية المسؤولة عن ظهور مشاعر الحب والكراهية هي ذاتها، وبالتالي مصدر السلوك لتلك المشاعر. اعتمدت الدراسة، التي اشرف عليها سمير زكي وجون رومايا، على دراسة مناطق الدماغ المرتبطة بمشاعر الكراهية، وأظهرت نتائجها أن «دائرة الكراهية» تختلف عن الخلايا المتعلقة بالعواطف الأخرى، مثل الخوف والخطر، رغم اشتراكها في جزء الدماغ المرتبط بالأفعال العدوانية.
 
وأشارت نتائج الدراسة إلى نشاط منطقتين في الدماغ يُطلق عليهما بوتامن وأنسولا، عندما يساور الإنسان شعور بالحب أو الكراهية. مما يدل على ان الدوائر العصبية المسؤولة عن هذين الشعورين المتناقضين هي واحدة، حيث يقوم المركز الأول بتنبيه الدماغ عندما تنتابه العاطفة، بينما ينشط الثاني كرد الفعل الذي ينشأ عند مقابلة شخص ما يكن له مشاعر (سواء حب او كره). كما ظهر نشاط في مناطق دماغية محددة على اثر رؤية صور أشخاص يكنون لهم الكراهية.
 
وعلق الباحث زكي قائلا «من المذهل أن نكتشف الاساس البيولوجي لمشاعر الكراهية، وبأنها تتضمن الكثير من المشاعر مثل مشاعر الحب. كما من المثير ان تثير هذه المشاعر نشاط مناطق العدوانية في الدماغ ايضا. فعادة ما يتجنب الشخص ويتصرف بعدوانية ان كان في حالة حب ووجهت اليه انتقادات تجاه حبه او من يحب. بينما نجد أنه في حالة الكراهية، ينصب تفكيره على كيفية إلحاق الضرر والأذى أو الثأر بمن يضمر مشاعر الكره تجاههم».
 
د. خلود البارون