“بدت لنا السعودية دولة بعيدة جداً وشاسعة المساحة ومليئة بالرمال” بهذه العبارة عبرت الأمريكية كاثي كودي عن انطباعها الأول قبيل قدومها إلى المملكة برفقة زوجها، لتبدأ بعد ذلك قصة حب للسعودية امتدت 24 عاماً.

وفي كتابها (أي مكان عدا السعودية.. تجارب مغتربة مترددة) الذي صدر في الثلاثين من شهر نوفمبر الماضي سجلت كاثي اعترافها بهذا الحب للمملكة العربية السعودية، واصفة إياه بأنه حب لا يزال مستمراً منذ وطأت قدماها الأراضي السعودية للمرة الأولى عام 1976م.

وكشفت الكاتبة الأمريكية أنها لم تكن مطمئنة لتجربة عمل زوجها في الرياض، وأن المملكة كانت بالنسبة إليهما آخر الخيارات المطروحة في قائمة الدول المفضلة، تماما بعد التندرا الروسية، ومناطق الحروب، وعن ذلك تقول: “بدت السعودية بالنسبة إلينا بوصفنا من سكان ولاية سان فرانسيسكو الأمريكية، حيث يعمل زوجي (شيـن) لشركة مقاولات عالمية، دولة بعيدة جداً وشاسعة المساحة ومليئة بالرمال”.

وتصف كاثي الحياة في الرياض خلال عقد السبعينات – بحسب ما ذكرت صحيفة (تيليغراف) البريطانية – بأنها كانت دراماتيكية، “حيث لا يوجد في المدينة سوى إشارة مرور واحدة، وبإمكانك رؤية الأغنام والماعز ترعى بجانب جدران المدينة، كما أن القليل فقط من المنازل كانت تمتلك أجهزة الهاتف، إضافة إلى اعتياد السكان للانقطاع المتكرر للكهرباء، وعلى نقص المياه”.

وتضيف كاثي أن المشاهد والأصوات والروائح في سوق الديرة لامست مشاعرها، وأن منحدرات الطريق وتعرجاته وأرضيته الفاتنة التي تأخذك لعدد لا منتاه من المحلات الصغيرة، التي تبيع كل شيء بدء من أواني الطبخ والخناجر الملتوية وانتهاء بالعطورات والبخور، بدت ساحرة لها وغير مألوفة في ذات الوقت، وتذكر كاثي قولها لزوجها شيـن في ذلك الوقت، “ربما أقوم بالتسوق من هنا -سوق الديرة- ذلك أكثر تسلية من المحلات العادية”، ليرد عليها شيـن: “كاثي, لا توجد هنا محلات عادية!

كما لا توجد أيضا أسواق الجملة المخفضة، أو مجمعات تسوق، الناس هنا يشترون أغراضهم من سوق الديرة، أو من السوبر ماركت فقط”. قائلة إن “سوق الديرة لم يكن فقط مكان تسوقي الرئيسي، بل أصبح كالمعلم لي، إذ تعلمت هنا العديد من الأشياء مثل التدرب على التحدث باللغة العربية مع البائعين، واكتساب مهارات المساومة في عمليات البيع والشراء، والجرأة على رفض ما لا أريده بدلاً من القبول بأي شيء يعرض علي”.

وعن الحياة الاجتماعية في الرياض تقول كاثي “تحفظي الأكبر على الذهاب إلى المملكة كان باعتقادي أنني سأعيش حياة زوجية مملة، ليس فقط بالتكيف مع متطلبات الأمومة، بل بالتخلي عن بعض الأشياء المفضلة عندي كالتجول مع الأصدقاء، إضافة إلى وجوب تعلمي كيف أكون ربة منزل لا تغادر بيتها، وهو الشيء الذي ربما كان يشكل العقبة الأكبر التي يصعب علي تجاوزها”، وتضيف كاثي: “كنا متأكدين أن مهمتنا في الرياض لن تكتمل إلا بالتعرف على بعض السعوديين، وهو الأمر الذي لم يكن سهلاً في البداية، حيث لا يوجد اختلاط اجتماعي بين النساء والرجال في الأماكن العامة، لكن الفرصة أتتنا حين ذكر زميل سعودي لـشيـن، أن صديقاً له يود ممارسة اللغة الانجليزية عن طريق التحدث معنا، فاستغللنا الفرصة لنبدأ بعد ذلك عمل عدة صداقات مع سعوديين آخرين، الذين بدورهم سمحوا لنا الدخول على عالمهم الصحراوي بالقيام بنزهات في الصحراء، ودعوتنا لحضور حفلات الزفاف، كما قمنا بدورنا بتعريفهم بالأطعمة والحضارة الغربية” واصفة التنوع الثقافي في الرياض أكثر أسرارها تشويقاً.

وفي عام 1985م، تقول كاثـي إنها أصبحت كاتبة تنشر كتاباتها في السعودية، والبداية كانت بالكتابة للصحف والمجلات لتمتد بعدها إلى كتابة القصص وتأليف الكتب، كما تقول كاثـي إن تجربتها الكتابية لمجلة الخطوط السعودية للطيران منحتها فرصة السفر مجانا، والذهاب لمشاهدة عدة أماكن في المملكة.

وتروي كاثـي نهاية الرحلة التي امتدت لـ24 عاما في المملكة التي امتدت منذ العام 1976 وحتى سنة 2003، بأنها كانت رحلة العمر “لقد تعلمت أن لا أحكم على الأشياء من خلال المفاهيم المغلوطة، وأن لا أستسلم لمخاوفي التي ربما كانت ستكلفني فرصة العمر باكتشاف التنوع الثري للمملكة والذي فاق توقعاتي”، واصفة الرياض البسيطة التي دخلتها غير تلك التي غادرتها؛ إذ أصبحت الرياض إحدى أكثر المدن نموا في العالم، إلا أنه يظل دائما هناك خلف الازدهار الحاصل فيها، تنوع ثري سيظهر حتماً للباحثين عنه.