تأملات للفقر المدقع والقذارة في الهند يقدمها  الصيني “ماكسي اواوا ” الصحفي في صحيفة ” شاينا سبارك” الذي يصف تجربته في الهند بقوله :” إنها أقذر بلد زرته على الإطلاق، لقد سمعت من الناس أن هناك أماكن أكثر قذارة في باكستان وبنغلادش ولكن عقلي مازال غير مستوعب أن هناك بلداً اكثر  قذارة مما رأيتها”.

 ونحن بدورنا نحذر قراءنا من الصور المرفقة فهي قد تثير الغثيان بالفعل ولربما لن يستطيع القارئ الصمود حتى نهاية الموضوع. 

قضى ” ماكسي” شهرين في الهند زار فيهما أفقر المدن الهندية من  أقصى الشمال إلى الجنوب؛ بالإضافة إلى الأماكن التي قد سبق وأن قرأ عنها، كما استقل القطارات والحافلات قاصداً عدداً لا يحصى من المدن والحقول المفتوحة التي لم تكن مشهورة ولم يسمع بها أي أحد قط، وذلك لكونها قذرة جداً فلا يجرؤ أحد على زيارتها أو حتى الحديث عنها لكونها  تثير “الغثيان”.

  وصف الصحفي الهند :”بأرض مغطاة” بالقذارة”

فيقول أحد الأماكن التي زرتها هي بلدة ” بودهجايا” الصغيرة التي مازال يتوافد عليها السياح منذ سنين عدة، فهذه  البلدة منذ أكثر من 2500 سنة تعد مكاناً للتنوير بالديانة البوذية، ورغم أنها منطقة سياحية نوعاً ما والسياح يزورونها منذ أعوام ويدفعون أموالاً لجيوب الفنادق والشركات السياحية الموجودة بالمنطقة إلى أنه السياحة في المنطقة لا تساهم كثيراً في تطوير المنطقة والتخلص من فقرها المدقع. 

 172 تقرير مصوّر: المدن الاكثر قذارة في العالم

فالقمامة تصطف على جوانب الشارع بينما تبحث الحيوانات عن طعام لها،  فهناك الكثير من الحيوانات منتشرة في المنطقة مثل الخنازير البرية والكلاب والماعز الجبلي والكثير الكثير من الأبقار التي لها قدسية خاصة في الهند، هذه الحيوانات  الضالة تعتمد على القمامة في غذائها من اجل البقاء وكثرة الحيوانات في المنطقة  سببه هو أن السكان المحليين في هذه البلدة الصغيرة لا يتناولون اللحم ويقتصر غذاؤهم على الخضروات فقط.

“روث”  البقر هو أكثر العناصر خدمة للبيئة
القرويون في المناطق الريفية يستخدمون الحطب ولكن “روث” الأبقار يستخدم أكثر منه؛ فهو لديه قابلية للاشتعال بسرعة ويصمد لمدة زمنية جيدة.

 215 تقرير مصوّر: المدن الاكثر قذارة في العالم

في المدن والبلدات الصغيرة تعتبر الأبقار شيئاً مقدساً لذلك فهي تملأ الشوارع وتفعل ما تشاء ولا يحق لأحد أن يعترض  خوفاً من أن تحل بهم لعنة وذلك حسب المعتقدات الدينية التي يملكها البوذيون هناك.

يعتبر روث البقر الأكثر صداقة للبيئة؛ فبإمكانه إشعال كل شيء، مما يعني عدداً أقل من الأشجار التي تقطع في المنطقة، وعلاوة على ذلك إذا لم يتم إزالة السماد الذي تنتجه هذه الأعداد الهائلة من البقر سيؤدي ذلك إلى غرق المدينة بالروث بسرعة، لذلك يتم حرقها واستخدامها فهي في نظرهم رحمة من السماء.

  يقول الصحفي إنه كثيراً ما كان يرى النساء الهنديات يجمعن روث البقر “الطازج” بمنظر مثير للاشمئزاز،  فيقمن بتعبئته وعزله جنباً إلى جنب القش وباستخدام كلتا اليدين، وبعدها يتم لصقه بعناية على الحائط كي يجف.

indian waste pickers 080807 The 25 Dirtiest Jobs on Planet Earth

 بالنسبة  للهنود فإن رائحة  “الروث“ هي  أمر طبيعي، حتى إن  السياح  يعتادون بسرعة على الرائحة فور مكوثهم في القرية، ويضيف  ماكسي: ” في الشهرين الذي زرت فيهما الهند تعلمت أن أتعايش مع أكوام من “روث” البقر  التي تملأ الشوارع وأن أكيف أنفي على تلك الروائح التي تملأ الجو، والتي إذ ما  قارناها مع قاذورات الحيوانات الآكلة للحوم فإن “روث “البقر أخف رائحة”.

 

 ويؤكد على أن تقديس الهنود للأبقار جعله يفكر  تلقائياً بالناس العصريين وبطريقة تفكيرهم التافه واهتمامهم بالأمور الدنيوية بعكس الهندوس .

  المدينة الأخرى هي “بوري” وهي  بقعة سياحية ساخنة على الساحل الشرقي، هي الجنة والنار معاً كما يصفها ماكسي. تنقسم المدينة لقسمين ففي أحد جوانب المدينة تقع الفنادق مع شواطئها الخلابة وفي الجانب الآخر تقع قرية.

 

يسكن الناس في مدينة “بوري”  في  أكواخ قش ولا يوجد أي شيء آخر غيرها سوى كومة من القمامة.

  أما أكثر الأشياء صدمة فيقول الصحفي إن على كل قروي في المدينة أن يقضي حاجته على الشاطئ، وهذا شيء يعتاد الناس رؤيته هناك خصوصاً أن الرجال بإمكانهم قضاء حاجتهم أينما شاءوا وفي أي مكان أرادوا وأمام مرأى الجميع.

 بلا أي منعزل أو حتى خلف الأشجار فذلك يتم علنياً. حتى في المدن الرئيسية كمدينة كولكاتا [Culcutta]، التي تحوي أكثر الشوارع ترفاً في المنطقة؛ فالرجال هناك أصحاب المظهر النظيف والياقات الجميلة البراقة، يقفون وبكل جرأة أمام مرأى الناس  “يتبلون” على الجدار .

يضيف “ماكسي” أنه لا يمكن للمرء انتقاد الناس ونهيهم عن انفعالهم فهذه مورثات قديمة ومعتقدات دينية سائدة يصعب تغييرها، وجميع الهنود معنيون بالحفاظ على تراثهم المتوارث منذ آلاف السنين.

هذا أمر اعتيادي في الهند ولا أحد يرى فيه عيباً ولا أحد يثير ضجة سوى الأجانب والسياح الذين لم يعتادوا على هكذا أفعال.

 أما في نظره الشخصي فإن مجرد ” التبول “ في الشارع بمدينة كبيرة ليس شيئاً لائقاً على الإطلاق. ولكنه يتوقع ويثق من أنه مع زيادة وتيرة التحديث التي تطرأ على المدن الهندية بسرعة سوف يتم النظر في هذا الأمر وستسن القوانين للتخلص من هذه الأمور كلياً الأمر فقط يحتاج لقرار حكومي صارم .

وفي نظر الصحفي تحمل مدينة فاراناسي القديمة  لقب (أنا قذرة ولكني رائعة) فالمدينة التي تقع على نهر الجانج، وتقع فيها جميع منافذ مياه الصرف الصحي في المنطقة  والتي يصب في النهر كما تلقى أيضاً أكوام الزبالة في هذا النهر المقدس، فالرغم  من قذارة الماء يعتبره البوذيون ماءً مقدساً، فيقدم الحجاج البوذيون دائماً إلى النهر  المقدس ويحملون المياه بعبوات  هدية إلى أهاليهم لنشر البركة.

 

 كما أن سكان المنطقة القريبين من النهر يستخدمون الماء لتنظيف أسنانهم التي كما يصفها الصحفي ” بلا عجب أنها صفراء ومقززة”، كما يتم  غسل الوجوه والملابس والسباحة كل ذلك يتم  بواسطة مياه النهر غير المتجدد، ولكن بالرغم من كل تلك القذارة يعتبر نهر الجانح من الأكثر جمالاً في الهند والكثير من السياح الأجانب يحبون البقاء فيه، ويضيف الصحفي أنه عاش قريباً من النهر وعاش كأنه هندوسياً أباً عن جد وتصرف بنفس الطريقة التي يتصرف بها سكان المنطقة، فكان يستحم في النهر وكأنه  واحد منهم، فروح المدينة الفني والحماس الديني الموجود يجعلك تنسى الفقر المادي الموجود في المدينة وتستمتع بالبساطة.

 

الهند في الواقع قذرة وفوضوية وقد تكون اكثر مكان ذي رائحة كريهة نفاذة، ولكنك قد تحصل  على أمور عديدة أكثر من أي مكان ثان في العالم، فالهند دائماً تعطيك إلهاماً في كل شيء ففي رأيي أنه كل ما فقدت للإلهام وأحسست أن عقلك فرغ ما عليك إلى زيارة الهند لتحصل على الكثير من الأفكار  وهي بحق تجدد روحك وتجعلك اكثر قناعة ورضا وتقبل للآخر.

 فبغض النظر عن البيئة المثيرة للاشمئزاز فالظروف المعيشية والتنوير الروحي العميق في المنطقة يساعداك بشكل كبير في النهوض بذاتك وقناعاتك.

 من خلال الصور يمكنكم أن تلاحظوا الجثث العائمة سواء كانت للبشر أو للبقر المقدس وهي تنهش من قبل الكلاب أو يحوم حولها الذباب، فالكثير من الهندوس يلقون بجثثهم في النهر لأنه نهر الله كما يعتقدون، والبعض يقوم برمي رماد الجثث فيه كي لا يحصل لها كما يحدث لباقي الجثث التي يعتقد سكان المنطقة أن الجثث التي تطفو وتنهش من قبل الكلاب الضالة هي لأشخاص غضب الله عليهم.

 ويقول “ماكسي” أنا لست متأكداً اذا ما ينبغي أن أبرز هذه الصور الفوتوغرافية للعالم، ولكنني من خلال تقديري للمعنى الحقيقي للحياة، علينا أن نتحسر للبعد عن الله، فبالرغم من كل القذارات المنتشرة إلى أني لم أر شعباً يتمسك بطقوسه بالطريقة التي يتمسك بها الهندوس، فكل يوم هناك طقس جديد  فالدين هو النفس وهو كل شيء لهم وأهم من أي متطلب روحي آخر، اهم من الغذاء والماء والهواء، واذا تقبل الرجل القذارة اليوم فغدا حين يموت سيكافأ كثيراً على صبره وتحمله لكل شيء . …

 الدليل السياحي المرافق للصحفي  حدثه عن  أسماك تعيش في النهر منها سمك جولانج وهو اسم يبدو لطيفاً على السامع ولكن حين تفكر بكل تلك القاذورات المحيطة بالسمك ” تنفر ” النفس منه.

فكيف لك أن تأكل من نهر كله قاذورات وجثث متعفنة وأبقار نتنة، هذا الأمر يتطلب شجاعة كبيرة من قبل المرء،  كما لا يمكنك أن تفكر إلى أن تلك الأسماك تتغذى على تلك القرافة فلا شيء يمكن أن يتحمل تلك البيئة النهرية المقرفة إلا إذا كانت أسماكاً تأكل المخلفات.

 ويختم ماكسي مقاله بأن هناك عدداً قليلاً من الرجال والنساء  في منتصف العمر يقومون بتنظيف أسنانهم في النهر بدون استخدام فرشاة الأسنان فهم يقومون بدعك أسنانهم بأصابعهم والبعض قد يستخدم غصن شجرة لتنظيف أسنانه  وبعضهم يبتلع الماء أو أن يتم بصقه في النهر.